المقريزي
143
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأن يكون شيركوه عنده بعساكره في مصر ولا يتصرّف إلّا بأمر نور الدين . فخرج ضرغام بالعسكر وحاربه في بلبيس ، فانهزم وعاد إلى مصر ، فنزل شاور بمن معه عند التّاج خارج القاهرة ، وانتشر عسكره في البلاد ، وبعث ضرغام إلى أهل البلاد ، فأتوه خوفا من التّرك القادمين معه ، وأتته الطائفة الرّيحانيّة والطائفة الجيوشيّة ، فامتنعوا بالقاهرة وتطاردوا مع طلائع شاور بأرض الطّبّالة « 1 » . فنزل شاور في المقس ، وحارب أهل القاهرة فغلبوه حتى ارتفع إلى بركة الحبش ، فنزل على الرّصد فاستولى على مدينة مصر ، وأقام أيّاما فمال الناس إليه ، وانحرفوا عن ضرغام لأمور . فنزل شاور باللّوق ، وكانت بينه وبين ضرغام حروب آلت إلى إحراق الدّور من باب سعادة إلى باب القنطرة خارج القاهرة ، وقتل كثير من الفريقين ، واختلّ أمر ضرغام وانهزم . فملك شاور القاهرة ، وقتل ضرغام آخر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين ، فأخلف شيركوه ما وعد به السّلطان نور الدين ، وأمره بالخروج عن مصر بمن معه « a » ، فأبى عليه واقتتلا . وكان شير كوه قد بعث بابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب إلى بلبيس ليجمع له الغلال وغيرها من الأموال ، فحشد شاور وقاتل الشّاميين ، فجرت وقائع . واحترق وجه الخليج خارج القاهرة بأسره وقطعة من حارة زويلة . فبعث شاور إلى الفرنج واستنجد بهم ، فطمعوا في البلاد ، وخرج ملكهم مرّي [ Amaury ] من عسقلان بجموعه ، فبلغ ذلك شيركوه ، فرحل عن القاهرة بعد طول محاصرتها ونزل بلبيس ، فاجتمع على قتاله بها شاور وملك الفرنج ، وحصروه بها - وكانت إذ ذاك حصينة ذات أسوار - فأقام محصورا مدّة ثلاثة أشهر . وبلغ ذلك نور الدين ، فأغار على ما قرب منه من بلاد الفرنج وأخذها من أيديهم ، فخافوه ووقع الصّلح مع شيركوه على عوده إلى الشّام ، فخرج في ذي الحجّة ولحق بنور الدين . فأقام وفي نفسه من مصر أمر عظيم ، إلى أن دخلت سنة اثنتين وستين ، فجهّزه نور الدين إلى مصر في جيش قويّ في ربيع الأوّل وسيّره . فبلغ ذلك شاور ، فبعث إلى مرّي [ Amaury ] ملك
--> ( a ) بمن معه : ساقطة من بولاق . ( 1 ) اعتمد المقريزي في سرد هذه الأحداث المتعلقة ببداية التدخلات الأجنبية في شؤون مصر على ما أورده المؤرخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات المتوفى سنة 807 ه / 1404 م في كتابه « تاريخ الدول والملوك » نقلا عن « جزء